أحمد بن علي القلقشندي
146
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لقائه قبل الأجل ، وليزد في الحزم على ابن مزيد الَّذي لم ير في الأمن إلا في درع مضاعفة « لا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل » ( 1 ) ، وليجعل أحوال القلاع المحروسة دائما بمرأى منه ومسمع ، ويشيّدها من ملاحظته باحتفال لا يدع لشائم برقها وحمول أموالها [ مطمعا ] ( 2 ) فقد استكمل حسن النّظر في مصالحها أجمع ، وليقم منار الشّرع الشّريف بمعاضدة حكَّامه ، والانقياد إلى أحكامه ، والوقوف مع نقضه وإبرامه : فليجعل حكم الشريعة المطهّرة أمامه وإمامه ، وليقم أمر اللَّه فيمن اقتاده الشرع إلى حكمه فجاذب زمامه ، وليعظَّم حملة العلم الَّذي أعلى اللَّه مناره ، وأفاض على الأمّة أنواره ، وحفظ بهم على الملَّة سنّة نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلم وآثاره ، وليكن لأقدارهم رافعا ، ولمضارّهم دافعا ، ولأوقافهم بجميل الاحتفال عامرا ، وفي مصالحهم بتحلية الأحوال آمرا ، ولينشر لواء العدل الَّذي أمر اللَّه بنشره ، ويشفعه بالإحسان الَّذي هو مألوف من سجاياه ومعروف من طلاقة بشره ، ويمدّ على الرّعايا ظلّ رأفته الَّذي يضفي في النّعم لباسهم ، ويديم إلفهم بالرّفاهية واستئناسهم ، ويقم حكم سياسته على من لم يستقم ، ويقف مع رضا اللَّه تعالى في كلّ أمر : فإذا رحم فللَّه فليرحم وإذا انتقم فلغير اللَّه لا ينتقم ، وليعتن بعمارة البلاد ببسط العدل الَّذي ما احتمى به ملك إلَّا صانه ، والرّفق الَّذي لم يكن في شيء إلَّا زانه ، وتوخّي الحقّ الَّذي من جعله نصب عينيه وفّقه اللَّه له وأعانه . وكذلك أمر الأموال : فإنّها ذخيرة الملك وعتاده ، ومادّة الجيش الَّذي إذا صرفت إلى مصالحهم هممه لم يخش عليه انقطاعه ولا نفاده ؛ وجميع الوصايا قد ألفنا من سيرته فيها فوق ما نقترح ، وخبرنا من مقاصده فيها ما يقول للسان قلمها : قد عرفت ما أومأت إليه من مقاصدك فاسترح ؛ وملاكها تقوى اللَّه تعالى
--> ( 1 ) الإشارة إلى قول مسلم بن الوليد في مدح يزيد بن مزيد الشيبانيّ : تراه في الأمن في درع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل ( أنظر العقد الفريد : 6 / 191 ) . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .